الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فيا أختي الكريمة، فهمتُ من سؤالك أن معك سلسلة ذهب مكتوبٌ عليها اسمك بالفرنسية، فأردتِ أن يُكتب الاسم بالعربية بدلًا من ذلك.
فقال لكِ الصائغ: إن تكلفة هذا الأمر كذا من المال.
وأنتِ تتساءلين:
هل هذا يدخل في بيع الذهب بالذهب؟
وهل فيه إشكال شرعي؟
الجواب:
الذي يظهر من الصورة التي ذكرتِها أن هذا ليس بيعًا للذهب بالذهب، وإنما هو في الأصل عمل وصناعة وأجرة.
لماذا لا يُعتبر هذا بيعًا للذهب بالذهب؟
لأن أحكام الذهب بالذهب إنما تكون إذا كان هناك مبادلة ذهب بذهب، كأن تبيعي ذهبًا وتأخذي بدلًا منه ذهبًا آخر.
وقد قال النبي ﷺ:
«الذهب بالذهب، والفضة بالفضة... مثلًا بمثل، يدًا بيد، سواءً بسواء».
فإذا كان الإنسان يبيع ذهبًا ويشتري ذهبًا، فهنا تأتي أحكام الربا المعروفة.
أما في هذه الحالة، فبحسب ما فهمتُ من السؤال:
أنتِ لم تشتري ذهبًا جديدًا
ولم يبعكِ الصائغ قطعة ذهب أخرى
وإنما أخذ السلسلة نفسها
ثم قام بإذابتها أو تعديلها
ثم أعاد تشكيلها بالاسم العربي
فهذا في حقيقته صنعة وعمل، وليس بيعًا مستقلًا لذهب بذهب.
ما الذي أخذه الصائغ إذًا؟
الذي أخذه الصائغ — على ما يظهر — هو أجرة الصناعة.
بمعنى:
أخذ السلسلة
ثم عمل فيها
ثم أعادها لكِ بعد التعديل
وأخذ مبلغًا مقابل الجهد والصنعة والعمل
وهذا لا حرج فيه.
متى يكون الأمر جائزًا بوضوح؟
إذا كانت الصورة كما يلي:
أنكِ أعطيتِه السلسلة نفسها
وهو أخذها على سبيل الأمانة والعمل
ثم قام فقط بتغيير الاسم من الفرنسية إلى العربية
بنفس الذهب الموجود في السلسلة
من غير أن يضيف ذهبًا جديدًا، أو يبيعك شيئًا آخر
ثم بعد ذلك أخذ منكِ مبلغًا مقابل:
الصنعة
والتشكيل
والكتابة
والجهد
فهنا لا إشكال شرعًا إن شاء الله.
وماذا لو كان قد أضاف ذهبًا جديدًا؟
إن كان الصائغ قد زاد شيئًا من الذهب، فهنا تحتاج المسألة إلى مزيد نظر وتفصيل.
فمثلًا لو قال لكِ:
كانت السلسلة 20 جرامًا
ثم صارت بعد التعديل 20.5 جرام أو 21 جرامًا
فهنا يكون قد دخل ذهب زائد، وقد تختلف المعاملة من مجرد "صناعة" إلى صورة فيها بيع ومبادلة تحتاج إلى ضبط شرعي.
لكن من ظاهر ما ذكرتِه، ومن كون المبلغ الذي أخذه ليس كبيرًا جدًا، فالغالب أنه أخذ أجرة الصناعة فقط، وليس ثمن ذهبٍ جديد.
ولذلك فالأقرب — بحسب الصورة المذكورة — أنه لا حرج في ذلك.
تنبيه مهم جدًا
السلسلة هنا في هذه الصورة تكون عند الصائغ على سبيل الأمانة، أي:
أنتِ لم تبيعيه الذهب
ولم يملك هو السلسلة لنفسه
وإنما استلمها ليُجري عليها تعديلًا فقط
ثم أعادها لكِ بعد العمل، وأخذ أجرة الصنعة.
وهذا جائز في الأصل.
الأمر الثاني: حكم من فعل شيئًا وهو يجهل الحكم الشرعي
وهذا أيضًا مهم في سؤالك.
فأقول:
إذا كان الإنسان قد فعل شيئًا، ثم بعد ذلك خاف أن يكون قد وقع في معاملة محرمة، لكنه كان يجهل الحكم الشرعي، ولم يكن متعمدًا للمخالفة، ولم يكن مقصِّرًا في طلب العلم، فالأصل أنه لا إثم عليه إن شاء الله.
متى يُعذر الإنسان بالجهل؟
إذا كان:
لا يعلم الحكم
ولم يخطر بباله أصلًا أن هذه المسألة قد يكون فيها تحريم
ولم يتعمد مخالفة الشرع
ولم يكن مفرِّطًا أو مستهينًا بالتعلم
فهنا يُرجى له العذر، ولا يكون عليه إثم.
الدليل على ذلك
قال النبي ﷺ:
«إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»
(أو كما جاء في معناه عند أهل العلم).
وكذلك قال الله تعالى في دعاء المؤمنين:
﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾
وثبت في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال:
«قد فعلت»
كما في صحيح مسلم.
فهذا يدل على أن الخطأ غير المتعمد، أو الجهل غير المقصود، مما يُرجى معه العفو من الله سبحانه وتعالى.
الخلاصة
أولًا:
إذا كانت المعاملة كما وصفتِها:
أعطيتِ الصائغ السلسلة نفسها
فعدّلها لكِ
وكتب الاسم بالعربية
بنفس الذهب الموجود
ثم أخذ مبلغًا مقابل الصناعة فقط
فهذا لا حرج فيه إن شاء الله.
ثانيًا:
حتى لو فرضنا أن الإنسان وقع في شيءٍ ثم علم بعد ذلك أن فيه شبهة أو خطأ، وكان قد فعله عن جهلٍ غير متعمد، فالأصل أنه لا إثم عليه إذا لم يكن مقصِّرًا.
ثالثًا:
أما من كان يعلم أنه مخطئ، أو تعمد المخالفة، فبابه:
التوبة
والاستغفار
والندم
والعزم على عدم العودة
فإن الله سبحانه وتعالى غفور رحيم، ويحب من عباده أن يتوبوا إليه.