الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
اختلف أهل العلم في مسألة: هل يجوز للمرأة الحائض أن تمكث في المسجد؟
القول الأول: المنع مطلقًا
وهو المشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله، حيث يرى أنه لا يجوز للحائض أن تمكث في المسجد مطلقًا.
القول الثاني: الجواز مطلقًا
وهو مذهب أهل الظاهر، وبه قال المزني، واختاره الشيخ الألباني رحمه الله، ويرون أنه يجوز للمرأة الحائض أن تدخل المسجد وتمكث فيه، سواء كانت:
تريد تعلم القرآن،
أو حضور درس علم،
أو إلقاء درس،
أو ذكر الله عز وجل،
أو نحو ذلك.
القول الثالث: الجواز للعبور فقط
وهو مذهب الإمام أحمد والإمام الشافعي رحمهما الله، حيث قاسوا الحائض على الجنب، فقالوا: يجوز لها المرور في المسجد فقط، ولا يجوز لها المكث فيه.
فمثلًا: لو كان بيتها في جهة مقابلة، وكان خروجها من غير طريق المسجد يوقعها في مشقة ظاهرة من طول مشي أو ركوب أو نحو ذلك، جاز لها أن تعبر المسجد عبورًا فقط حتى تصل إلى الجهة التي تريدها.
أدلة المانعين ومناقشتها
استدل المانعون بأدلة متعددة، وأكثرها قابل للمناقشة والرد.
ومن أقوى ما استدلوا به: حديث النبي ﷺ في أمره النساء بالخروج إلى صلاة العيد، حتى الحُيَّض، وقال:
"ويعتزل الحيض المصلى"
فقالوا: إذا كان النبي ﷺ أمر الحيض باعتزال المصلى، فهذا يدل على أن الحائض لا تدخل المسجد.
الجواب عن هذا الاستدلال
يُجاب عن هذا من عدة أوجه:
أولًا: أن مصلى العيد ليس له حكم المسجد
فمصلى العيد ليس مسجدًا بالمعنى الفقهي المعروف، ويدل على ذلك:
أنه لا تُصلَّى فيه تحية المسجد.
وأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا غالبًا يصلون العيد في الفضاء، لا في المسجد.
ثانيًا: أن المقصود باعتزال المصلى ليس المنع من الحضور
بل قد جاء في بعض الروايات ما يبين المراد، وهو أن الحيض يجلسن في مؤخرة الصفوف، ولا يزاحمن صفوف المصلين.
وذلك لأن المرأة الحائض لو جلست وسط الصفوف، فقد يؤدي ذلك إلى قطع الصفوف أو إحداث حرج في تنظيم المصلى.
وعليه، فقول النبي ﷺ:
"ويعتزل الحيض المصلى"
ليس معناه: ألا يدخلن أصلًا، وإنما معناه: ألا يشاركن في موضع الصلاة نفسه، بل يكنَّ في مؤخرة الصفوف.
أدلة من أجاز للحائض دخول المسجد
استدل من أجاز للحائض دخول المسجد بأدلة كذلك، ومن أقوى ما استدلوا به:
حديث المرأة السوداء التي كان لها خباء في المسجد
روى الإمام البخاري رحمه الله، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:
أن وليدة سوداء لحي من أحياء العرب أُعتقت، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فأسلمت، فكان لها خباء في المسجد.
والخباء: هو بيت صغير أو خيمة صغيرة.
وجه الاستدلال من الحديث
هذه المرأة كانت تسكن في المسجد.
ومعلوم أن المرأة في الأصل تحيض، إذ هذا هو الغالب في النساء.
فلو كان مكث الحائض في المسجد لا يجوز، لكان من اللازم أن يبين لها النبي ﷺ ذلك، فيقول لها مثلًا:
إذا حضتِ فاخرجي من المسجد.
لكن لم يُنقل أنه ﷺ نهاها عن ذلك، ولا بيَّن لها هذا الحكم.
وهذا مهم جدًا
لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.
فهذه امرأة تقيم في المسجد إقامةً مستمرة، وحاجتها إلى بيان هذا الحكم ظاهرة جدًا، فلو كان مكث الحائض في المسجد محرمًا، لبينه النبي ﷺ.
ولهذا قال بعض أهل العلم، ومنهم ابن حزم رحمه الله: إن في هذا الحديث دلالة قوية على جواز مكث المرأة الحائض في المسجد.
الراجح في المسألة
فالذي يظهر – والله تعالى أعلم – أن الراجح هو جواز دخول المرأة الحائض المسجد، سواء كان ذلك من أجل:
تعليم القرآن،
أو تعلمه،
أو حضور درس علم،
أو ذكر الله،
أو نحو ذلك من وجوه الخير.
مسألة مسِّ المصحف للحائض
أما مسُّ المصحف للحائض:
فالصحيح أن مسَّ المصحف مباشرةً باليد محل خلاف، وكثير من أهل العلم يشددون فيه.
لكن إذا كانت المرأة:
ترفع المصحف،
أو تقلب صفحاته بحائل،
مثل: قفاز،
أو قماش،
أو طرف الكم،
أو نحو ذلك،
فهذا جائز إن شاء الله.
والسبب
لأن هذا لا يسمى مسًّا مباشرًا في اللغة.
فالمس الحقيقي هو:
مباشرة البشرة للبشرة أو مباشرة اليد للشيء من غير حائل.
أما إذا كان هناك حائل بين اليد والمصحف، فهذا لا يدخل في المس المباشر الذي وقع فيه الخلاف.
الخلاصة
الراجح – والله أعلم – أمران:
يجوز للمرأة الحائض دخول المسجد والمكث فيه لحضور العلم أو التعليم أو الذكر ونحو ذلك.
يجوز لها حمل المصحف أو تقليب صفحاته بحائل، كالقفاز أو القماش أو نحوه.
والله تعالى أعلم.